علينا أن نعيش الحياة .. ولو مع الصرع

لا تخفي سابين غصّتها عند ذكر اسم المرض، فهي تلفظه بمرارة حبّات الدواء التي تأخذها يوميًا لتفادي نوبة من نوبات الصرع.

هذا المرض الذي أصاب حوالي 50 مليون شخصًا حول العالم، لا يزال عالم يشوبه الرعب والمجهول. لا شيء حتمي معه، لا الشفاء والمرض.

تعرّف منظمة الصحة العالم World Health Organization WHO ، الصرع على أنّه اضطراب مزمن يصيب الدماغ ويتأثر به الأشخاص في جميع أنحاء العالم. ويتميز بنوبات متكررة، وهي عبارة عن نوبات وجيزة من الحركة اللاإرادية التي قد تخص جزءاً من الجسم (جزئية) أو الجسم كله (عامة)، ويصاحبها أحياناً فقدان الوعي والتحكم في وظائف الأمعاء أو المثانة.

بحسب ما أفادنا به الدكتور محمد باقر دبوق، الطبيب المتخصص بأمراض الأعصاب في مستشفى الرسول الأعظم، أن 70% من الأطفال المصابين بالمرض بامكانهم الشفاء من الصرع، إذا تمّت مراقبتهم وتأمنت لهم الرعاية والعلاج اللازمين. ولكنّ مشكلتنا، أي في الدول النامية، أن الدولة لا تغطي الكلفة المادية أو الطبية للعلاج، وهو ما يؤثر على نسب الشفاء، كما أن أسعار الدواء بالنسبة للطبقة الفقيرة باهظة جدًا.

مرض-الصرعع

ما عبّرعنه الدكتور دبوق من وجهة نظر طبية، أجاد برسمه محمد ابراهيم الشاب الثلاثيني الذي رافقه المرض ما يقارب العشرين عامًا. واجه محمد معوقات مرضه عن عمر صغير جدًا. أولها، عندما حرم من اكمال دراسته نتيجة حالته المتقدمة والتي كان سببها الاساسي الحالة المادية لعائلته المعدومة. حاول والده بيع املاكه ولكن كل الامور باءت بالفشل والنتيجة كانت غياب العلاج لأشهر متتالية.

يضيء د. دبوق على نقطة مهمة في ما يتعلق بعملية التشخيص، إذ أن حدوث نوبة واحدة لا تعني أن الشخص مصاب بالصرع، لأن ما يقارب  ال 10% من الناس حول العالم يصابون بنوبة واحدة خلال حياتهم. والتشخيص بحاجة الى حصول نوبتين أو أكثر بدون أسباب مباشرة، مثل الورم، التشوهات الخلقية في الدماغ، السكتات الدماغية وغيرها من الأسباب التي تؤدي بشكل علمي واضح لمرض الصرع. ولكن الضعف أو التشخيص الخاطئ قد يؤدي إلى أضرار جسدية ونفسية بالإمكان تفاديها.

“قالوا لوالدتي أني أتدلع، حتى وصل بي الأمر كسر في يدي وقدمي”.

أصيبت رنا بأول نوبة صرع على عمر الخمسة عشر عامًا. في مدرستها، لم يتعامل الأساتذة معها بشكل طبي، كما أدى غياب الممرضة الخاصة بالمدرسة الى تأخر تقديم العلاج والتشخيص المناسب.

اعتبرت المدرسة أن رنا تعاني من مرض نفسي وليس عصبي، وتعاملت مع الأمر بالنبذ من قبل الأصدقاء والمسؤولين التربويين في المدرسة.

هذه الصورة الخاطئة عن عوارض المرض أدّت لاحقًا إلى النوبة الثانية الأشدّ والتي أصابت رنا وهي في طريقها الى المنزل، وكانت نتيجتها كسر في اليد والقدم.

الأثر ليس فقط جسدي بل اجتماعي أيضًا. هناك طوق يلتف حول مرضى الصرع، يخنق آمالهم بالعيش كما أقرانهم من الشباب والشابات. يقول محمد، أن حلمه بأن يصبح مبرمجًا صار بعيدًا جدًا، وهذا المرض قد أغلق بوجهه طريق العلم، والعمل أيضًا. الفرصة الوحيدة التي أتيحت له، هي العمل مع والده في ورشات البناء. يخشى والده عليه من هذا النوع من الأعمال ولكن ما بيده حيلة، إذ أن خطر تعرضه للنوبة وهو على أحد الأسطح قد يكلّفه حياته.

ينصح الدكتور دبوق مرضاه دائمًا، بالتصريح لعائلاتهم وعدم التكتم على وجود المرض، خصوصًا في حالات الحمل، الاقبال على الزواج. لأن وجود مساعدة عند حصول النوبة أمر ضروري، والوضوح بوجود الصرع بين الزوجين يساعد على تخطي بعض النوبات أو تفاقهما، ولما له أثر أيضًا على تصرف العائلة بوعي عند حصولها.

“الصرع سبب بفسخ خطوبتي”

التجربة المرضية لم تكن سهلة على سابين، الفتاة العشرينية التي تحلم بحياة جميلة وزواج ناجح. أفشل هذا المرض حلمها. لم يكتفي هذا المرض باصابة أعصابها والتي تحاول دائمًا التعبير عن قوّتها في مواجهته أو التأقلم مع تعقيداته الكثيرة. ولكن آثاره تفوقت عليها في الحبّ. حيث بعد خطوبتها، اعترض الأهل على زواجها لانتشار فكرة أن المرضى النساء المصابين بالصرع، ليس بامكانهن الانجاب، حتى أنهن يتسببن بولادة طفل مشوه أو غير سوي. مما أدى الى فسخ خطوبتها، وتعرضها لنوبة اكتئاب حادة.

هو مرض صامت، يسكت من يقف معتزًا بنوبة ترديه مرميًا على أرض لا يعلم أين وكيف سيؤول إليه المصير. هو تعب يصيب المريض وعائلته. ولكنّه يبقى حملًا ثقيلًا مهما تناقلته الأكتاف.

تقول رنا : «أحس بأن نوبة الصرع ستفاجئني. هذا المرض أشبه بالكابوس».

تحقيق:زينب برجاوي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s