الوسواس القهري… “مش مزحة”

  “موَسوَس”، “مسَرسَب”، “مهووسة نظافة”… عيّنة صغيرة من حقل معجمي متكامل، نسنّ مصطلحاته للتصويب على من نلاحظ أنّه يكرّر أفعاله بوتيرة نرى أنّها من دون سبب أو تتخطّى حدود المنطق. حدودٌ نسبيّةٌ يرسمها كلّ حسب الميزان الّذي يعتمده لقياس الأمور وإرساء التوازن في حياته.

غير أنّ التعمّق العلمي يقودنا إلى اكتشاف أنّ ذلك “الموَسوَس” الّذي لا يَسلَم عادةً من سهام الانتقاد، يعاني حقيقة من اضطراب عقلي يولّد تصرّفاته الّتي نراها نافرةً.

 اضطراب الوسواس القهري (OCD – Obsessive Compulsive Disorder) هو اضطراب في الصحة العقلية يؤثّر على الناس من جميع الأعمار، ويتميّز بأفكار ومخاوف وهواجس غير منطقية (وسواسية) تؤدّي إلى تكرار بعض التصرفات إجباريًا أو قهريًّا، ممّا يعوّق الحياة اليومية.

الهواجس عبارة عن أفكار أو صور أو دوافع تحدث مرارًا وتكرارًا، وتكون خارج سيطرة الشخص. الأفراد الّذين يعانون من الوسواس القهري، يجدون هذه الهواجس مزعجة، وفي معظم الحالات، هم يدركون أنّ هذه الأفكار لا معنى لها.

ما_هو_الوسواس_القهري_وما_علاجه

عادةً تكون الهواجس مصحوبة بمشاعر شديدة وغير مريحة، مثل الخوف أو الاشمئزاز أو الشك أو الشعور بأنّ الأمور يجب أن تتمّ بطريقة “صحيحة تمامًا”. مع التشديد على أنّ الهواجس تستحوذ على وقت الأفراد وتدخل في الأنشطة الهامة الّتي يمارسونها. وهذا المعيار يتمّ الاستناد إليه لتحديد ما إذا كان الفرد لديه وسواس وليس سمة شخصية مهووسة.

فمن الممكن أن يكون الشخص مهووسًا بأغنية مثلًا أو بسيارة أو بشخص آخر، لكنّ ذلك لا يمنعه من ممارسة نشاطاته بشكل عادي وطبيعي. غير أنّ في حالة الشخص الّذي يعاني من وسواس قهري، تكون أفعاله ونشاطاته مرتبطة بالاضطراب الّذي يعاني منه، والّذي يمنعه من ممارسة حياته بشكل طبيعي.

أمّا الأفعال القهرية أو الإكراه، فهي السلوكيات أو الأفكار المتكرّرة الّتي يستخدمها الشخص بهدف إبطال مفعولها أو التخلّص من هواجسه. ويدرك الأشخاص المصابون بالوسواس القهري أنّ هذا ليس سوى حلّ موقت. مع التنويه إلى أنّ الانخراط في الأفعال القهرية لا يجلب أي متعة وقد يقدّم فقط راحة مؤقتة من القلق.

الوسواس القهري… بين الأعراض وعوامل الخطورة

تختلف أعراض الوسواس القهري من شخص إلى آخر، غير أنّ أكثر الأفكار المزعجة انتشارًا تتمثّل بالخوف من الاتساخ أو التلوّث، الخوف من الإصابة بالأمراض، الخوف من التسبّب بالضرر لنفسه وللآخرين، الخوف من الأخطاء، الخوف من الإحراج أو من الفشل والتورط بسلوك غير لائق على الملأ.

وينعكس هذا الاضطراب من خلال سلوكيات قهرية تميّز تصرّفات المُصاب، منها الاستحمام أكثر من مرّة، أو غسل اليدين بشكل متكرّر، الامتناع عن مصافحة الآخرين، تكرار التحقّق من الأمور بشكل مفرط ومبالغ، التشديد على ترتيب الأغراض الشخصية وتنظيمها بشكل دائم وبصورة ثابتة، الشعور بالحاجة للقيام بالمهام نفسها مرّات عدّة، وغيرها من الأفعال الّتي يُجبر الفرد على ممارستها.

كما سبق وذكرنا، هناك اختلاف بين التصرفات الوسواسية الّتي قد يُصاب بها الأفراد في مرحلة ما من حياتهم أو قد تكون جزءًا من شخصياتهم، غير أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّهم مصابون باضطراب الوسواس القهري. في هذا الإطار، يشكّل التشخيص الطبي حَكَمًا يفصل بين السلوكيات الوسواسية والـ”OCD”. وقبل إطلاق حكمه، يرتكز الطبيب أو الاختصاصي على الفحص السريري، الفحوصات المخبرية، التقييم النفسي واستخدام قياسات ومعايير الاضطرابات النفسية.

مع الإشارة إلى أنّ عوامل متعدّدة قد تساهم في تفاقم خطورة الاضطراب، منها التاريخ العائلي، إذ قد تكون الإصابة ناتجة عن عوامل وراثية جينية. بالإضافة إلى الهموم الحياتية والتوتر والضغط، أو التعرّض لصدمات وأحداث مؤلمة. وقد تسوء حالة الأم المصابة بالوسواس بعد الحمل.

وعلى غرار معظم الاضطرابات، يتسبّب الوسواس القهري بمضاعفات كثيرة، منها اضطراب العلاقات الاجتماعية، عدم القدرة على الذهاب إلى العمل أو المدرسة، اكتئاب واضطرابات نفسية أخرى، وصولًا إلى أفكار وتصرّفات انتحارية.

وهنا تكمن خطورته وضرورة متابعة حالة المُصاب. وإلى جانب هذه المضاعفات الاجتماعية والنفسية، قد تؤدّي الاصابة بالوسواس القهري إلى مضاعفات جسدية، على سبيل المثال التهاب جلدي نتيجة غسل اليدين بشكل مستمرّ ومتكرّر.

علاجات نفسية ودوائية في المرصاد

أمام هذا الواقع وخطورته المتفاوتة، يلجأ المصابون إلى علاجات تختلف بحسب شدّة الحالة ومدى تأثير الوسواس في حياة المريض. في هذا السياق، هناك نوعان أساسيان متّبعان في العلاج، وهما العلاج النفسي والدوائي.

في الحالات غير الشديدة، يتمّ استخدام طريقة “التعريض ومنع الاستجابة”، وتكون عن طريق جعل المريض يواجه مثيرات الوسواس ومنعه من إصلاحها أو الاستجابة لها. وهناك طريقة أخرى تسمّى “العلاج المعرفي/ الإدراكي السلوكي” وتُعتبر الأكثر نجاحًا بين الأطفال والبالغين على حدّ سواء.

من جهة أُخرى، قد يتمّ اللجوء إلى استخدام الأدوية في الحالات المتقدّمة، وغالبًا تبدأ بمضادات الاكتئاب، ومع تقدّم الحالة يتمّ اللجوء إلى المهدئات ومعالجة آثار القلق. وذلك طبعًا يجب أن يكون تحت رعاية طبيب. فكما أنّه لا يجوز استخدام أي دواء من استشارة طبيب، يجب الحذر من إيقاف الأدوية بدون استشارته أيضًا حتّى لو ظهر تحسّن في الحالة.

 غالبًا، يربط معظم الأشخاص فكرة الوسواس القهري بالنظافة، غير أنّ هذه تبقى حالة جزئية أمام الأنواع المختلفة من الانعكاسات على الفرد. مع وجوب التشديد على أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين “الموَسوس” وذاك المصاب باضطراب الوسواس القهري؛ بالتالي الوسواس القهري “مش مزحة”.

تحقيق: إيلي صروف

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s