“الزهايمر”: كنّ معي وذكّرني!

الزهايمر مرض النسيان

بلمحة بصر، يفارق عمره ويعود باحثاً عن بيت طفولةٍ مختبئ في ذاكرة بعيدة. يغيب الحاضر تماماً، كأنه لم يوجد أصلاً. يتمدّد الثقب فيه، فيصبح بلا تفاصيل: لا مكان. لا عائلة. لا أحداث. ولا يبقى إلا شيء واحد: وجوه من يحبهم، ومن يذكّرونه بمرحلة ما قبل النسيان.  إنّه مريض “الزهايمر”.

قد تختلف أسبابه، فيصيب الصغار وكبار السن في آن واحد. أعراضه قد توصل إلى فقدان الذاكرة، والوقاية منه قد تبدأ من الممارسات البسيطة. ولكن، ما هي عوارض هذا المرض؟ وكيف يبدأ؟ وكيف يتطوّر بتطوّر مراحله؟ وماذا عن علاجاته؟ وقبل كلّ شيء، كيف السبيل للوقاية منه؟

تعريفه ومراحله

يستهل إختصاصي الدماغ والأعصاب د.رامي الأتات حديثه بالتعريف أولاً عن مرض الزهايمر بالقول: “مرض الزهايمر هو نوع من النشاف، يصيب الكبار في العمر ما فوق الـ 65 سنة وهو من الأمراض التي تصيب الجهاز العصبي وتؤدي إلى تدميرها مع الوقت، وهو يصيب الجزء المسؤول عن التفكير والذاكرة واللغة، وهو من أكثر أسباب الخرف شيوعاً بين الناس، وقد سمّي بهذا الاسم نسبة للعالم الذي وصفه وهو (ألوسي ألزهايمر) ألماني الجنسيّة”.

يمر مصاب الزهايمر بثلاث مراحل مرضية يصفها الأتات بـ” المرحلة المبكرة “، أهم أعراضها صعوبات في التذكر، خصوصًا الأحداث القريبة، وأسماء الأشخاص والأماكن، بالإضافة إلى صعوبات في القيام ببعض العمليات الحسابية البسيطة، ومثل هذه الأعراض قد تسبب بعض الإزعاج، ولكنها ليســت مدعاة للقلق في بادئ الأمر. ما يبدأ مبكراً قد يتطور ليصبح “مرحلة متوسطة” للعائلة وموقع البيت وقد يعجز عن أداء وظائفه الحياتية البسيطة كتصفيف الشعر وما شابه ذلك، كما تزداد لديه صعوبة الكلام، والتجول دون هدف، وتظهر عليه أعراض الهلوسة والاعتقادات الخاطئة، فيتطوّر ليصل إلى “مرحلة متأخرة”، وفي هذه المرحلة تبدأ المعاناة، يترافق مع الشعور بالاكتئاب وعدم الإدراك وفقدان الإحساس بالزمان والمكان وصعوبة في الكلام والحركة والقدرة على التعرف إلى كل ما يحيط به، إلى أن يصل الأمر في نهاية المطاف إلى مرحلة عدم القدرة على فعل أي شيء بمفرده. هنا، قد تصبح بعض الأشياء غريبة لديه. مثلاً، قد يصبح التليفون اختراعاً لم يره من قبل، أو قد يجد صعوبة في تصريف المال.

ما_هو_مرض_الزهايمر

أسبابه

أسباب كثيرة مسؤولة عن مرض الزهايمر، منها الإصابة بمرض داون، وسوء التغذية، مشاكل سوء الهضم، الضربات على الرأس وتعاطي المشروبات الكحولية بإفراط وبعض الأدوية التي تستنزف الفيتامينات والمعادن. وإلى كل ذلك، قد تضاف أسباب أخرى مؤثرة في المرض، منها الضغط والسكري والكولسترول والدخان والعمر والمكونات الجينية.  مع كل تلك الأسباب، نادراً ما يعرف المصابون بمرضهم وعلاجاته، كذلك لا يعرفون أي نوعٍ من الزهايمر هم مصابون به.

 وإذا كان لا بد من تفصيل الأنواع، فهناك اثنان بحسب الأتات، الزهايمر الوراثي/العائلي، “وقد يظهر في عمرٍ مبكر أي ما فوق الأربعين سنة، وينتقل من طريق الجينات الوراثية من أحد الوالدين، ولكنه قليل الانتشار ولا يمثّل أكثر من 5 إلى 10% من مجموع المصابين بالمرض”. أما الزهايمر الآخر، والمرتبط بالأفراد الكبار، ويسمى الزهايمر الفردي، “فهو الذي يصيب من يتعدون سن الستين، يكون في غالبية الأحيان نتيجة العوامل البيئية والغذائية (البروتينات)”.

التشخيص و العلاج

أما إن كانت الإصابة واقعة، فلا بد من العلاج، والحل؟ يكون بالتشخيص. وهنا، يقول الأتات إنه “يجرى تحاليل دم وصورة شعاعية للرأس بالإضافة للراديو المغناطيسي وفحوصات للغدد الهرمونيّة، للتأكد من أنه ليس مرضاً آخر”، وبعد التأكد من خلوّه من الأمراض الأخرى، يجري الحديث مع العائلة والمريض أيضاً للتعرّف إلى سلوكه خلال مرحلة التغيّر. بعد ذلك “نجري اختبارين صغيرين مع المريض هما اختبار الأحرف الخمسة (Test de 5 mots) واختبار الساعة)  Test de l’horloge) في الاختبار الأول، يعرض الطبيب خمسة أسماء “يقرأها الطبيب ويعيدها المريض من خلفه، وفي الاختبار الثاني “يطلب من المريض رسم الساعة بأرقامها وعقاربها”.

“لا علاج شافياً لمرض الزهايمر حتى وقتنا الراهن، ولا علاج يمنع حدوثه. كلّ ما لدينا بضعة أدوية تبطئ من تفاقمه وتحدّ مؤقتاً من تضرر خلايا المخ، وتكون فاعليتها أكثر في المراحل الأولى من الإصابة”، هكذا يختصر د. رامي الأتات واقع علاجات مرض الزهايمر. لكن حتى أدوية الإبطاء هذه، من يغطي كلفتها؟ فأي مريضٍ فقير قادر على توفير أدوية قد تتعدى كلفتها الـ300 ألف ليرة شهرياً وربما 500 ألف ليرة؟ .

وبعيداً عن ضيق الحال، تسعيرة أدوية الزهايمر ليست موحدة، فثمة أدوية قد تفوق 200 ألف ليرة لبنانية، وأخرى قد تبلغ 10 أو 20 ألفاً. هؤلاء لا يجدون حلولاً إلا الدفع “بالتقسيط”  وربما كان التقسيط أفضل من اللجوء إلى وزارة الصحة العاجزة أصلاً عن توفير أدوية الأمراض المزمنة، فكيف الحال”بالزهايمر؟” لكن في بعض الأحوال قد يكون العلاج أخف من هذا بكثير، فمريض الزهايمر قد لا يفيده دواء إبطاء، بل تكفيه “المعاملة الجيدة” .

التعايش مع مرض الزهايمر

مريض الزهايمر ليس المتألم الوحيد، فثمة متألمون كثر ومنهم المحيطون بالمريض، ولا سيما من “تقع عليه القرعة ليكون المرافق الدائم للمريض”. فلعنة الزهايمر أنها لا تضرب دماغاً واحداً، بل تضرب أدمغة أخرى. وبعيداً عن مشاعر الحزن الدائم للمرافق الرئيسي للمريض، هناك عوارض أخرى قد تصيبه، منها “النكران” فمعظم العائلات التي يكون لديها مريض الزهايمر ترفض “مجرد التفكير في أنه مريض، فتقول مثلاً إنه “شوية نشاف لأنه كبر”. ومع تقدم الحالة المرضية تصبح هناك عوارض أخرى مثل مشاعر الحزن العميق، وهي تلك الممزوجة بالوجع، إضافة إلى الإحساس الدائم بالذنب “وكأنه ما في مريض غيره بالعالم”. وقد تنتج مشاعر أخرى لها علاقة بالخجل من وضع المريض ومنها مشاعر الإحراج من تصرفات المريض في الشارع أو في أي مكان آخر “فيه ناس”. أصعب من ذلك كله هو الإحساس بالوحدة والتوتر والعصبية والقلق الذي يعانيه المرافق الشخصي للمريض. تلك المشاعر التي لا تشفى أبداً إلا بشفاء المريض، والتي قد تتضاعف بموته.

تحقيق: راكيل أبي عاد

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s